النويري
2
نهاية الأرب في فنون الأدب
جبّارا له أيد وبسطة ، وكان مع ذلك كاهنا عالما ، له معاون من الجنّ ، فملك بنى أبيه ولم يزل مطاعا فيهم . وقد كان وقع إليه من العلوم التي كان زرابيل علَّمها من آدم . قال : فهو وبنوه الجبابرة الذين بنوا الأعلام ، وأقاموا الأساطين العظام ، وعملوا المصانع ، ووضعوا الطَّلَّسمات ، واستخرجوا المعادن ، وقهروا من ناوأهم من ملوك الأرض ولم يطمع طامع فيهم . وكل علم جليل في أيدي المصريين إنما هو من فضل علم أولئك القوم ، كان مرموزا على الحجارة . فيقال إن فليمون الكاهن الذي كان ركب مع نوح عليه السّلام في السفينة هو الذي فسّرها لهم وعلمهم كتابتها ، وسنذكر إن شاء اللَّه تعالى خبر فليمون في موضعه . قال : ثم أمرهم نقراوس حين استقرّ أمرهم ببناء مدينة فقطعوا الصخور والأحجار من الجبال ، وأثاروا معادن الرصاص وبنوا مدينة وسمّوها أمسوس « 1 » ، وأقاموا بها أعلاما ، طول كل علم مائة ذراع ، وعمروا الأرض ، وأمرهم ببناء المدائن والقرى ، وأسكن أهل كل بيت ناحية من أرض مصر . وهم الذين حفروا النيل حتى أجروا ماءه إليهم ، ولم يكن معتدل الحفر إنما كان يتسطح ويتفرّق في الأرض . قال : ووجّه إلى بلد النوبة جماعة حتى هندسوه وشقّوا منه أنهارا إلى مواضع كثيرة من مدنهم التي بنوها ، وشقّوا نهرا عظيما إلى مدينتهم أمسوس يجرى في وسطها وغرسوا عليه الغروس ، فكثر خيرهم وعزّت أرضهم وتجبّر ملكهم . قال : وبعد مائة وعشرين سنة من ملكه أمر بإقامة الأساطين العظام وزبر عليها ذكر دخولهم البلد ، وكيف نزلوا به ، وحربهم لمن حاربوه من
--> « 1 » أمسوس ، وردت مضبوطة بالقلم هكذا في نسخة ب وهى أوّل مدينة بنيت بالديار المصرية قبل الطوفان . وموضعها خارج الإسكندرية تحت البحر الرومىّ ( البحر الأبيض المتوسط ) كما ذكره بعض المؤرّخين ، وشق لها نهرا يتصل بها من النيل ( راجع صبح الأعشى ج 3 ص 319 ) .